لم تكن صافرة النهاية في مدينة الملك عبد الله الرياضية مجرد إعلان عن انتهاء مباراة، بل كانت لحظة انقبضت لها قلوبنا جميعاً؛ لحظة أُغلق فيها باب الأمل الجميل الذي عشناه في الأيام الماضية. بينما كان أبطالنا يرتصون فوق عشب الملعب—بين منهك من الجهد وبين من غلبه شعور "ماذا لو؟"—كانت اللوحة تشير إلى
تعادل سلبي (0-0).
على الورق، يعتبر التعادل أمام كوريا الجنوبية، العملاق المتوج باللقب مرتين، نتيجة تدعو للفخر. لكن بالنسبة لليمن، هذا الوطن الذي يتنفس من خلال رئة كرة القدم حين تضيق به الدروب، فإن هذا التعادل يحمل طعم الوداع المر.
"سد صنعاء" في عرين جدة
إذا كان هناك اسم ستتردد أصداؤه الليلة في شوارع عدن، تعز، وصنعاء، فهو
وسام الأصبحي.
في الدقيقة 51، عندما أطلق "بارك جي-هو" قذيفة كانت في طريقها لتمزيق الشباك، لم يكتفِ الأصبحي بالارتماء، بل طار كالصقر لإنقاذ الموقف.
وفي الدقيقتين 69 و74، وقف صامداً كالجبل أمام أمواج الضغط الكوري المتلاحقة. كل تصدٍ قام به وسام لم يكن مجرد منع لهدف، بل كان استرداداً لنبض آلاف الجماهير اليمنية التي حولت ملعب التدريب في جدة إلى قطعة من تراب الوطن بصرخاتها وأهازيجها.
مباراة الثبات والعزيمة
لم نكن ضيوف شرف في "حفلة" كوريا، بل كنا نداً قوياً كاد أن يخطف الأضواء:
هيثم الفقية اختبر الحارس الكوري بجرأة من لا يخشى الكبار.
محمد صادق ارتقى فوق الجميع في الدقيقة 58، وفي تلك اللحظة توقف الزمن لثوانٍ ونحن نرى رأسيته تتجه للمرمى، لولا براعة الحارس الكوري التي حرمتنا من فرحة وطن.
سيلان بشير و
أحمد ناصر قاتلا على كل كرة، ليثبتا للعالم أنه رغم قسوة الظروف وضعف الإمكانيات، إلا أن اللاعب اليمني لا ينقصه العزم ولا الموهبة.
غروب بطعم الكبرياء
انتهت الرحلة في المركز الثالث. نغادر البطولة بينما تمضي فيتنام وكوريا الجنوبية إلى الأدوار الإقصائية. بالنسبة للعالم، نحن مجرد رقم في ترتيب المجموعة الثالثة، ولكن بالنسبة لنا، نحن الذين رأينا هؤلاء الفتية يقفون نداً لند أمام عمالقة القارة، فالأمر لم يكن يوماً مجرد نقاط.
في زمن نادراً ما تزف فيه الأخبار السارة، منحنا هؤلاء الصغار تسعين دقيقة من الكرامة الكروية. أثبتوا أنه في الملاعب، وتحت الأضواء، الطفل اليمني لا يقل شأناً عن أي لاعب في العالم.
"لم نخسر اليوم،" صرخ أحد المشجعين والدموع في عينيه بينما كان اللاعبون يتوجهون لغرف الملابس، "لقد نفد الوقت منا فقط، لكننا لم ننكسر."
تستمر بطولة كأس آسيا تحت 17 سنة 2026 بدوننا، لكن "ذئاب سبأ" الصغار يعودون إلى ديارهم كرجال. لم يحملوا الكأس، لكنهم حملوا ما هو أثمن: فخر شعب بأكمله.